زمن الخيول البيضاء / النصّ الصورة
28 ديسمبر 2007أجمل خطأ هو الذي يلقيك على حرف جميل تظل تكتشفه و لا تمل، هكذا كنت مع إبراهيم نصر الله، و هكذا سأنتظر عثراتٍ مثل هذه تعرضني للجمال..

قرأت إبراهيم نصر الله أولَ مرةٍ في روايتيه التي ضمهما كتاب واحد”أعراس آمنة/تحت شمس الضحى” ، الكتاب الذي تسلسل إلى مكتبتي مجبراً ضمن “بيع بالجملة”، عرفت أني منحت نفسي كاتباً مفعماً بالقضية، و لذا لا يرتضي لها أيّ شيء كما يقول هو ..
في معرض الكتاب السابق تعرفت عليه في السيرة الطائرة”أقل من عدو،أكثر من صديق” و التي يتحدث فيها عن رحلاته الشعرية في سرد ماتع ثري، يتجول فيه بين الشعر و الصورة الضوئية و السينما، و القضية التي وضعها على عاتقه، قضية فلسطين..
نصر الله في سردياته يبحر بلغة شاعر، و بتقنيات سردية مميزة “أضافت” للرواية العربية، هو يتقن الالتفاف/الالتفاتَ حول أفكاره الكبرى التي يناضل عنها ضمن سياق فني مميز..
في العام 2007 الذي يودع أخيراً قدم روايته السادسة ضمن الملهاة الفلسطينية “زمن الخيول البيضاء” و التي عمل اثنين وعشرين عاما في التحضير لها و التي كان من المفترض أن تكون الرواية الأولى والأخيرة في هذا المشروع الذي لم يكن وجد اسمه عام 1985، وأعني الملهاة الفلسطينية
و هنا حديث من الروائي حول “زمن الخيول البيضاء” :
في هذه الروايات الست التي كتبت ضمن هذا المشروع الذي يغطي 125 عاما من تاريخ القضية الفلسطينية سعي أو محاولة للتحرر من سطوة الفهم العام للحكاية الفلسطينية الذي يعيدها إلى مفردات جاهزة، ولذا فإن أصعب ما في كتابة الحكاية الفلسطينية هو أن عليك أن تكون ضد الذاكرة الجاهزة، والصورة القارّة في ذهن الناس عنها.
ولا أبتعد كثيرا إذا ما قلت إنك تكون مضطرا ككاتب أن تكون ضد الشهادة التي تتكئ عليها، لا من المنظور التاريخي بل من المنظور الفني، بمعنى أنك تكتب لتكون أحيانا ضد الذاكرة الجاهزة كي تُوْجِدَ ذاكرة فنية، أي أن تحرر الشاهد من شهادته وأنت تلقي بكل زوائدها وتقودها لمعناها، وتحرر نفسك ككاتب، لأنك لست في النهاية مدون أحداث وسِيَر، بحيث يكون في استطاعتك أن تفاجئ القارئ الذي يعرف فلسطين جيدا بأنه لم يكن يعرفها تماما.
وفي ظني أن على الكاتب أن يدرك الخيوط الفاصلة بين العمل الروائي والذاكرة المستعادة، وإذا لم يستطع إدراك ذلك فيمكن أن يقع في شرك هذه الذاكرة لأنها قوية، وجاهزة أحيانا؛ بمعنى لا يلزمها الكثير من الإضافات شكليا؛ لكن توظيفها في السياق الفني والفكري للروائي، يؤدي أحيانا إلى قلب الواقعة، لا لنفيها، بل لتأكيد حضورها أكثر كعمل روائي. فالواقعي والمتخيل هنا يتبادلان الأدوار، فقد يكون الواقعي في بعض مقاطع الرواية هو المتخيل، وقد يكون المتخيل هو الواقعي في حقيقة الأمر.
هذه الهواجس أرقتني طويلا، لأنك لا تستطيع أن تكون مخلصا لقضية كبرى كالقضية الفلسطينية وأنت تكتب عنها، إلا إذا كنت مخلصا لتاريخ الرواية العالمية العظيم ولمنجزها، ولما يولد اليوم من أعمال كبيرة في مجالات الفنون، وبخاصة السينما.
تنقسم (زمن الخيول البيضاء) إلى ثلاثة أقسام: كتاب الريح، كتاب التراب، كتاب البشر. والتسميات انطلقت من قول عربي قديم يقول: لقد خلق الله الحصان من الريح والإنسان من التراب. وسمحت لنفسي أن أضيف: والبيوت من البشر.