أرشيف شهر أبريل 2008

الفصل الثاني مرةً أخرى

3 أبريل 2008

(1)

يقترب من النافذة الرطبة، يمسح منها بالقدر الذي يسمح له أن يرى شيئاً جديداً.. لا يزال الوقت مبكراً على شيءٍ اعتيادي.. كل ما يحدث هنا شيء فريدٌ و مختلف، ساعةٌ فقط ثم يلبس الشارعُ ثوبه القديم الذي يكرره كل يوم، عابرٌ يمشي خطوةً، و قبل الأخرى يلتفت إلى الوراء، يتحسس شفتيه و أنفه، في مكانه الصحيح الذي اعتاده.. يذكر أنه رأى هذا العابرَ قبل ليلتين دونَ أنفٍ، قبلً ثلاثٍ كان قدْ فقدَ طرفاً من شفته السفلى، يضحك ساخراً من الرجل الذي يعيد تركيب ذاته كل يوم..

حين يقترب من النافذة في ساعته الأثيرة، لا شيء يتكرر إلا وجوده قربها دوماً، أما ما يتبقى فهو يعقد صداقاتٍ مع العابرين، يفلسف العثراتِ التي تأخذهم، يصل به الحدُّ إلى أن يعقد محاكمة غيابية للواقفين طويلاً تحت نافذته، تهمتهم دوماً واحدة، الواقفون في الظلال لديهم نزعة للأشياء المألوفة، في هذه الساعة يجب أن يحدث كل شيء سريعاً، و خاطفاً، نظرات الوداع، القبلات ُالعابرة، الأحاديث.. حتى خطوات رجل الأمن تأخذ هذا الشكل الغريب، اكتشف أن رجل الأمن لا يحب هذا المنعطف؛ ربما كان هذا لانقلاب الآية .. عليه أن يحفظ نفسه من الأشياء العابرة هنا ..

يكشف النهار ورقته، يخرج أناسٌ عاديون في مهامّ اعتيادية، ينسل بهدوء خشية أن يراه أحد، على فراشه يبدأ بالعادة القديمة، أو لأقل.. يتظاهر بها..يخرق سكونه بإغلاق الستائر الفاصلة بينه و بين النهار..

(2) 1

يمسح من نافذته مكاناً مغايراً، ليرى أشياء جديدة، و ليعقد حبالاً أخرى.. نسيت أن أقول أنه في إحدى الليالي كان مضطراً لأن ينزل لعابرَينِ اثنين مرا في الزمن الخاطئ شاهداً وحيداً على الزواج، كان الحظُّ متواطئاً معهما بالقدر الكافي لتتم الأمور على غير العادة ..

ضوء غريبٌ يخرج من نافذةٍ كان آخرُ عهدِه بها قبل واحدٍ و عشرين يوماً –يكتب الأشياء الغريبة مؤرخةً دائماً.. كانَ الأمر مختلفاً بصورةٍ عن تلك المرّة؛ أسدلت ستائرُ على غير العادة.. متشردٌ أضاعَ بوصلة غيابه و تبدّت أطرافه.. الأطراف تمارس حضورها أولاً قبل كل شيء، منها نبدأ دائماًَ ..يتكئ على سورٍ قصير للحظة ثم يكمل خطوته إلى الطرف البعيد ..

(2) 2

يبدو متثاقلاً هذه المرة، لا يمسح شيئاً.. يكتفي بما صنعه أمس ليرى الأشياء، صدى الأحاديث التي سمعَ ليلةَ البارحة لا زال يثير حنقه، كان حديثاً جماعياً عن الغياب.. ربما كانت المرة الأولى التي يعبر فيها الطريق أربعة رجال ساعتها .. أحدهم كان يقرأ الغياب سياسياً .. و هنا مارس رجل الأمن مهمةً للمرة الأولى أيضاً في هذا الممر ..

متشردٌ أضاع بوصلة الذكرى، بدا مترنحاً، و بدتِ الصورة نمطية مألوفةً .. الطرف البعيد لا زال بعيداً، سقط تحت نافذته في اللحظة التي كان يقرر فيها الغياب ..

3/4/2008